ســر وجــودي توأم روحـــــي
اهلا وسهلا بك عزيزي الزائر يسعدنا تواجدك معنا
~~اهـــلاً وســهـلاً بــك عــزيــزي الـــزّائــر يســعدنـا تــواجــدك مــعـنا~~ 

دروب العطش

اذهب الى الأسفل

دروب العطش

مُساهمة من طرف سر وجودي توأم روحي في الجمعة 6 يوليو - 3:21:09




كان ياما كان ...من قديم الزمان ، لأكثر من ستين عام ، وقع ما تقشعر له القلوب والابدان ،

وما لم يراه أنس ولا جان ...!

في ضحى العاشر من تموز/يوليو1948 ، إعتلى الشيخ " ابو حليمة " مئذنة جامع دهمش وصاح : يا اهل البلد ، يا اهل الحارة الشرقية ، موجات صيحات صوته المخنوق ، تمددت ولفت احياء المدينة المرتعشة من الهلع والفزع ، لدخول " البالماخ " على حين غرة ،برشاشاتهم وبنادقهم واسلحة الموت المتوحشة ، من الجهة الشرقية مثل البرابرة ، ترك اهل المدينة وعائلاتهم مذعورين بيوتهم ، النساء والاطفال والشيوخ تراكضوا متدافعين ، تتعثر الاقدام ببعضها، فرّوا للاحتماء بالمدارس والمساجد والكنائس والمُغر القريبة من المدينة التي فرغت دروبها من المارة ، تحسباً لموعد مع القدر.

دوريات " البالماخ " المدججة بالسلاح ،أمرت منادي المدينة ( خميس كركر) تبليغ الاهالي عدم التجول ، وتوجه الشباب الى وسط ساحة المدينة، إقتادوا الشباب المحتمين ببيت المختار ، خلف مركز البوليس ، ايديهم مكبلة وعيونهم معصوبة ، واجبروا بقية الاهالي المشي على الاقدام

او ركوب الدواب بأتجاه رام الله .غَصّت " اللد " بالالاف ممن التجأ اليها من القرى والمناطق المجاورة ، تبعثروا بعد الغروب في البيارات والحواكير ، منهم نام تحت شجر الزيتون ، واخرين التحفوا بالسماء والنجوم ، رقدوا على الحصى والتراب، يلفهم الصمت والارتحال نحو مجاهل الضياع ،عند الصباح وصلت مسجد " دهمش " دورية مساندة من البالماخ ، والشباب المحتجزين ، مرصوصين مقرفصين داخل المسجد ، تخطى احد الجنود اجسادهم ، يسجل اسمائهم يركلهم بقدمه ، إستشاط " جميل هارون " غضباً ، وأبى الذل والهوان ، كان يخبىء قنبلة تحت سرواله القاها على جنود الدورية ، قتلت عدداً منهم قبل ان يقتنصه جندي تمترس على سطح المسجد ، انتشرت سحابة من الدخان والغبار ، واضطرب الجنود ودب فيهم الخوف والفوضى ، هرب من المحتجزين من هرب ، قام عنصر من البالماخ بالانتقام ، فتح رشاشه ، حصد من تبقى من المحتجزين ، فأزهق اكثر من 176 فرداً ، تكدست جثثهم وتكومت على ارض المسجد، والدماء تنز من اجسادهم التي نخرتها صليات الرصاص ، لطخت أشلائهم الممزقة وبقع الدم جدران المسجد ، والتصقت قطع من لحمهم بالمنبر والسقف ، وأثار الرصاص المنغرس في الجدران والجثث علامات على الزمن الذي توقف ! صاح جندي من البالماخ وهو في حالة تأهب : من يريد مساعدة لاسعافه ، واي جريح يحتضر ان كان به بقية رمق اوحياة يرشقه بصليات من الرصاص ،تُنخل جسده وتحطم جمجمته ،تُركت الجثث تملأ ساحة المسجد ، تعفنت ورائحتها تملأُ الفضاء ، حضر قائد البالماخ لمعاينة المجزرة ، وأحضر معه من يرفع الجثث المتراصة الغارقة بالدم المتيبس ،والتي بدأت تتحلل وينسلخ اللحم منها عن العظم ، تغيرت ملامح الموتى واستعصى التعرف على اي منها لانتفاخها وتعفنها ،

وطلب نقل الجثث بالسيارات الى المقبرة ، وقال : لا تدفنوا اي جثة ، سنحرقها جميعاً ،جُمع َالحطب والخشب والقش والملابس من البيوت المهجورة وكل ما هو قابل للاحتراق ،حتى ملابس الاطفال وبدلات العرائس ، وأمر بتفتيش الجثث ونزع الخواتم من اصابعها ومحافظ النقود من جيوبهم لمصادرتها ، سُكبَ الكاز " الكيروسين " على الجثث ، وما هي الا لحظات ، تعالت النيران وارتفعت اكثر من 20 متراً مثل محرقة بوذية للموتى ، فاحت رائحة اللحم المحترق وانتشرت في كل مكان،القتل والحرق روّعً الاهالي ، فحزّموا ما يقدرون حمله ، سارت طوابير النازحين بخط طويل على مدى البصر . صاح " الشيخ ياسين " وهو يصفق ويضرب كفاً بكف من بشاعة الهلع والصمت : احنا اليوم بنعيش يوم القيامة ؟؟ يا الهي ما اشبه اليوم بيوم القيامة !!سلكوا الطرق الوعرة الضيقة بين الجبال ، طرقٌ تحفها الاشواك المتيبسة وسلاسل حجرية تحيط بالبيارات والحواكير، تتقافز بين ثقوبها وجحورها السحالي والافاعي والحشرات ،سلكوا طريق الموت بأقدام عارية متورمة ، جفّ جلدها وتيبست اكعابها وأمشاطها ، أدماها طول المسير وسخونة الحصى والحجارة ، سمتت شمس تموز في كبد السماء وزادت من قيظها ولهيبها لتحرق النفوس والجلود ، لا يسمع على طول الطريق سوى أنات اللهاث والنًفس المتقطع واستبداد العطش والجوع ، وزيغ البصر وخوّر القوى ، انه احتضار مبكرللجميع ،تاهت الطوابير عن الطريق، وضلوا الدروب ، وهاموا على وجوههم ، وسافر بهم النزوح الى اخر الدنيا ، ورسم العطش والجوع على محياهم خريطة اللاعودة ، صراخ الاطفال وعويلهم وحسرة امهاتهم زاد رحلة الضياع لوعة ًوحسرة ،جوع طوى معدهم ، وعطش يبس شفاههم وحلقهم ، صيحاتهم وصلت السماء طلباً لرشفة ماء تبلل الشفاة المتيبسة ، قضى العديد منهم دون ان ينزل في حلقه قطرة ماء ، سد بعضهم عطش صغاره ان سقاهم من َبوّله ، ابو سليم كشف سرواله وأخذ يبول في صحن من الالمنيوم وسقى اطفاله ، واخرين رموا صغارهم واطفالهم على قارعة الطريق، بجانب السلسة الحجرية ومنهم رمى اطفاله داخل الحواكير،تحت شجر الزيتون حتى لا يراه احد ، صاح احد العابرين بعد ان اشتد به الجوع والعطش : يا الهي الى اين ؟؟ هل قامت القيامة قبل موعدها ؟؟ثم اختنق غيظاً ومات قهراً ، هذا اليوم يوم ولادة لمشكلة شعب

على رأي المؤرخ الاسرائيلي " بيتي فوريس ".

دوريات البالماخ منتشرة على طول الطريق الى رام الله، قوافل النازحين تعبر امامها ، بعضهم يحمل على رأسه او ظهره فرشاته ، او سلال من القش فيها ادواته ، واخرين يحملون جراراً فخارية فارغة ، يتفحص الجنود ما يحمله العابرين ، وقعت عين احد الجنود على مصاغ زوجة " حسن "، حاول ان يخلصها اياه ،منعه زوجها مدافعاً عنها ، الا ان رصاصات حاقدة ضرجته بدمه ، لا احد يعير المشهد بالاً ،والطريق الوعر تلتصق عند نهايته السماء بالارض ، اللهاث والعطش والجوع والاجساد المتهالكة ،تنتح الماء، وهم يطوون المسافات بخطوات مترنحة يخدعهم السراب من بعيد ، سقط العديد منهم اختصاراً للحياة ورحلة العذاب اللامتناهية ، ُدفن بعضهم وترك الاخرين للغربان والحيوانات آكلة الجيف ،أقترب العابرون من قرية "جمزو "ولم يعد بين الحياة والموت سوى مقياس شعرة ، عدوا خطواتهم للوصول الى بئر القرية ، اقتربوا من البئر ،أُمطروا بزخات من الرصاص ، فأختلط الذعر بالعطش ، و لم يعد الماء سر الحياة ، فالبول يحل محله لسد الرمق والعطش ،وعند البئر تجمد الزمن وفقدوا الاتصال بالحياة ، ازدردوا اوراق الشجر والاعشاب الجافة واجتروها ، نساء مرضعات فقدن الحياة واطفالهن على اثدائهن ،يرضعون الموت المتصل بالحياة ، واي معنى لحياة ٍتُوهب من الموت ؟مالت شمس النهار التعيس الى الغروب ، وأخذ الليل يتسرب الى دروب الهجيروالنزوح، الصمت سيدالحياة، الا صوت الخنافس والصراصير الليلية ونعيق البوم يمزق الضياع المختلط بالأنات واللهاث المميت ، وآلام الشوك المنغرس في الاقدام المتشققة المكتوية بحرارة الحصى والحجارة على طول الطريق ، لمح " ابو يوسف " بعينين زائغتين على جانب الطريق فوهة حفرة مكشوفة ، نادى بصوت خافت : انظروا ها هي بئر ، يا رب يكون فيها ماء !، تراكض العطشى كقطيع الخراف عند مشربهم ، حملقوا في البئر وارتموا على بطونهم عند فوهتها ،وتمنى كل واحد ان يرمي نفسه فيها ليشرب ويسد عطشه ويموت ،اتفقوا ان يربطوا كوفياتهم ببعضها على هيئة حبل ، وطلبوا ممن يلبس ملابس سميكة وسروالا وقمبازاً ، ان ينزل في البئر، يمسك بحبل الكوفيات ويحمل ابريقاً فخارياً، وتدلى " ابو سليم "في البئر حتى وصلت المياه كتفيه، ملأ الابريق وتشبعت ملابسه بالماء، شد الحبل للصعود خارج البئر ، وحين وصل فوهتها ووقف على رجليه ،هجم عليه العطشى كالكلاب المسعورة ،وأخذوا يمصون سرواله وقمبازه ، هذا على جنبه ، واخر على كتفه ، وثالث عند قدميه ، وتخاطف اخرون ابريق الفخار، وافرغوا محتواه في جوفهم، الصياح والترجي بطلب رشفة ماء يتعالى ، ومناد ٍ اخر يصيح : إسقوا النساء والاطفال شربة ماء تعادل الحياة ، عاد ابو سليم وتدلى في البئر مرة اخرى ومرة ومرة حتى انتصف الليل ،وهو يخرج الماء بملابسه والابريق ، جلبوا الصغار الايتام ليمصوا الماء لتبليل شفتاهم وحلقوهم المتيبسة ، ناموا مبعثرين كالنوارس على شاطىء مضطرب الامواج ،عند الصباح نصبوا بين الاشجار اكياس الخيش كمظلات لتقيهم الحر وشمس تموز اللاهبة ،فالموت لا معنى له في ذاكرتهم، والحياة التغى معناها منذ مجزرة جامع دهمش ،فتساوت لديهم الحياة بالموت واية مقبرة ستتسع لهم ، عزم اكثرهم على التسلل والعودة ليلاً الى بيوتهم للبقاء فيها والعودة اليها لاحضار نقوده او مصاغ زوجته ، او ملابسه وادواته ،ليبعد عنه الجوع والبؤس ، " ام العبد " اطلقوا عليها النار وهي عائدة لبيتها في الحارة الشرقية لاحضارمصاغها الذي دفنته تحت شجرة التين ، تركت اربعة ايتام لمصيرهم ،وابوحرب وابن عمه حامد ، رجعا الى بيتهما لاسترجاع ما دفناه من نقود ومصاغ في ساحة المنزل الخارجية وتحت عتبة البيت، وغيرهم الكثيرين رجعوا، منهم من عاد لاولاده وزوجته ،ومنهم من ينتظر اهله حتى اليوم خبراً عنه ،امضى ابو حرب اربعة ايام من الرعب في تسلله، وفي كل خطوة مشاها ، اختبأ يومين في ملجأ يقف فوقه خيالٌ من البالماخ للحراسة ،وحين دبت العتمة اثقالها دخل منزله ، رفع البلاطة واخرج صُرّة لفها بيده ، وأقفل راجعاً الى" نعلين " كل همه ان يعود لصغاره الذين تركهم تحت ظل كيس من الخيش قرب شجرة زيتون ،ينتظرونه كالجراء اكبرهم لا يزيد عن سبعة اعوام ، لحق به حامد بعد اسبوع وخشي الجميع موته ،، عاد وهو لا يحمل شيئاً لحجزه وتخليصه ما يحمله في جيبه وعبه، وقف بين الجموع اليائسة المحبطة بعد مغيب الشمس وصرخ بعصبية :يا عباد الله ... الموت ارحم من هذه الحياة التي تعيشونها اليوم ، الله يستركم من الايام القادمة ... ارجعوا الى بيوتكم التي تنتظركم وموتوا فيها اشرف لكم ... مات حامد وحلمه بالعودة مرة اخرى لم يتحقق له او لغيره ...!!! ومن بقي حيا من العابرين الى "نعلين "قدره ان يبقى شاهداً على ارض وتاريخ ...!

زهدي الزمر©

يوليو /تموز 2012



avatar
سر وجودي توأم روحي
الــمــديــر الــعــام
الــمــديــر الــعــام

ذكر
عدد المساهمات : 3952
تاريخ التسجيل : 16/07/2011
العمر : 30
الموقع : taw2mrw7i.yoo7.com

http://taw2mrw7i.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى