ســر وجــودي توأم روحـــــي
اهلا وسهلا بك عزيزي الزائر يسعدنا تواجدك معنا
~~اهـــلاً وســهـلاً بــك عــزيــزي الـــزّائــر يســعدنـا تــواجــدك مــعـنا~~ 

الصّخرة السّوداء

اذهب الى الأسفل

الصّخرة السّوداء

مُساهمة من طرف سر وجودي توأم روحي في الجمعة 6 يوليو - 3:22:57




في الحادي عشر من تشرين الأول، وفي الصباح الباكر، عندما كانت الشمس
الخريفية الخجولة تعلوالسّماء ببطء على أجنحة من الغمام الندية، في حديقة الجامعة كان لقاؤهم الأول، عندما أوصلها والدها بسيارته إلى مدخل الجامعة، كان الوقت لايزال باكرًا على موعد المحاضرة الأولى، وعندما سارت في البهو المفضي إلى الحديقة، كان عمار يراقب خطاها الوئيدة بعناية شديدة، وعندما شعرت به أسرع بتحويل بصره عنها، لكن بعد برهة من الوقت عاود اختلاس النظر إليها من جديد، فوجد أنها لاتزال تنظر إليه، كانت هذه هي المرة الأولى التي يتجرأ فيها بتصويب النظر مباشرة إلى عينيها، في هذه المرة بالذات وجد في نفسه الرغبة والشجاعة في أن يطيل التحديق في عينيها، أو كما وصف هو ذلك فيما بعد الإبحار في عينيها الجميلتين، اللتين طالما وصفهما بأنهما بحر عظيم الاتساع، وليل مليء بالأسرار. وعلى الرغم من أنها أثارت اهتمامه وسلبت قلبه منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها في إحدى المحاضرات، فإنه لم يحاول أو يتجرأ على أن يبادر بالتعرف عليها؛ فقد كان شديد الحياء، وعظيم الحرص على إخفاء مشاعره وعواطفه تجاه من يحب، وربما هذا هو السبب الذي جعله يفضل العزلة والانطواء على الذات، الأمر الذي كان يعطي انطباعاً خاطئاً عن طبيعته، فبدا لكثير من زملائه بأنه شخص متزمت، لا يختلط مع الآخرين، وبخاصة زميلاته في الدراسة. على الرغم من أنه كان عميق الإحساس، وجياش العاطفة، وشديد الإيثار، فقليل فقط هم الذين استطاعوا أن يفهموا سره، وأن
يجدوا تفسيراً لطبيعته وانطوائه على ذاته، إذ أتى من قرية جبلية صغيرة، لها صخور بركانية ذات لون أسود فاحم، تعطيك انطباعًا خادعاً بأنها صماء، لكن في حقيقية الأمر يسري في أعماقها إحساس ملتهب ودفء حميم، ويرتسم على تعرجاتها معالم تاريخ حافل، وتخفي بين طياتها قصصاً مثيرة. في هذه القرية التي تقع على سفح جبل عتيق، وبين هذه الصخور عاش، وترعرع، وتعلم كيف يخفي
مشاعره، وينطوي على نفسه تماماً كما تفعل هذه الصخور. لقد تربى تربية دينية صارمة، في بيئة
ريفية يحكمها العرف والتقاليد المتزمتة، التي تحرم الاختلاط بين الذكور والإناث بل تحرم أدنى أشكال
التواصل، كالحديث العام، أو حتى إلقاء السلام في بعض الأحيان، كل هذه الأشياء كانت راسبة في
أعماقه، ومحفورة في جدار صدره، وظاهرة في سلوكه، وإن كان عقله يضج بآلاف الأسئلة الحائرة
حول هذه الدوائر المغلقة التي كانت ترسمها العادات والتقاليد والدين في بيئته الريفية.
بسبب هذه الخريطة المعقدة لشخصيته، وعلى الرغم من أن هذه الفتاة كانت تحظى باهتمامه، وسلبت
عقله، وملكت قلبه، فإن معرفته بها قبل هذه المرة لم تكن تتجاوز كونهما زميلين في الدراسة،
يتبادلان التحية ويختلسان النظرات من بعيد، لكن عندما رأته يطيل النظر إليها هذه المرة أرادت أن
تعرف سر هذه النظرة الخجولة، وسر تلك النظرات المسروقة فيما مضى. سارت إليه. واقتربت منه
أكثر، وبعد أن ألقت التّحيّة انحنت بجسدها الرّشيق، وجلست على المقعد الخشبيّ المقابل لمقعده، تحت
شجرة زيزفون كبيرة، تشابكت أغصانها بشكل يدعو إلى الدّهشة؛ حيث شكلت قبّة خضراء وارفة
الظلال. كانت إيمان آية في الجمال والرّوعة، بل إنّ مُحيَّاها ليطلُّ من أعلى قوامها كما يطلُّ البدر في
الليلة الصّافية من أعالي السماء. وإنّها لوردة فواحة بالطّيب، تكسو المكان بهاءً أينما حلّت، تلمح في
ملامح وجهها أمارات الفطنة والعفّة والطّهارة. في هذه الأثناء كانت ترمقه بعينيها الواسعتين اللتين
جمعت بهما عتمة الليل الفاحم، وبياض الثّلج الناصع.
أشاح وجهه عن الكتاب الّذي بين يديه، ونظر إليها بعينيه العسليتين الممزوجتين بلون الرّبيع فشعَّ منهما
سحرٌ خافتٌ أضفاه عليه شعره الأسود المتموج وتقاسيم وجهه الهادئة. ردَّ تحيتها بصوت مبحوح
خجول، يخفي بين أمواجه الشوق والعاطفة الملتهبة، ويستر خلف ذبذبات بحته رقصات السعادة
لاقترابها منه ولجلوسها مقابله.
عندما نظرت إيمان إلى عينيه عن قرب هذه المرة استطاعت أن تكشف بوضوح بعض أسرار قلبه،
فقد كانت قادرة على أن تقرأ بعض الرموز التي ترسلها نظراته إليها، وتفهم ما تخفيه عيناه من بريق
دافق بالمشاعر الدافئة، والحنان المترقق بين غيوم داكنة من الحزن والحرمان.
خرجت إيمان من محراب تأملاتها البصرية في فك طلاسم عيني عمار وبدأته، فقالت: من عادتي أن
أحضر في الوقت المحدّد للمحاضرات، لكنني نسيت أن في هذا اليوم سوف يعدّل برنامج الدراسة
للعمل في التوقيت الشتوي، ولم أتذكر ذلك إلا عندما وصلت برفقة والدي بالقرب من الجامعة، غير أن
جمال هذا الصّباح جعلني لا أفكر في الندم على نسياني التوقيت الجديد، إنّ إشراقة الشّمس في الصّباح
بديعة جدّاً، وكذلك منظر حبّات النّدى المتجمّعة فوق الأوراق الخضراء، وهذه الزّهور والأشجار
ورائحة الصّباح المعطّر بالطّيب والممتلئ بالرّطوبة، وتمازج اللسعات الباردة بدفئ حضن أشعة
الشمس الخجولة. كلُّ ذلك جميل وأكثر من رائع. ترى هل نسيت أنت كذلك التوقيت الجديد يا ..
معذرة أنا لا أعرف ما هو اسمك، رغم أننا زملاء ؟!
لا داعي للاعتذار .. عمار .. اسمي عمار عبد القادر. في الحقيقة ليس هذا هو السبب الوحيد
لحضوري باكراً، فأنا لست من العاصمة، وآتي من قرية تبعد حوالي سبعين كم، فأضطر للقدوم في
الصباح الباكر؛ لنشاط حركة المواصلات بين الريف والمدينة في ذلك الوقت، وإذا لم أحضر باكراً
سوف تزدحم الطرق الضيقة سيئة التعبيد بالحافلات القديمة، الأمر الذي سيجعل وصولي للجامعة
عسيراً. على كل حال أنا أتّفق تماماً معك يا آنسة إيمان! في أن هذا الصباح استثنائي في روعته
وجماله، أعتقد أنني لن أنساه ما حييت!
قرأت إيمان إعجاب هذا الشاب بها من عينيه، وفهمت ماذا يعني أنّه قد حفظ اسمها من بين عدد كبير
من زميلاتها في الدراسة. وعلى الرغم من أنها بدأت تشعر بأن بعض نبضات قلبها باتت ترسل خفقات
غير معتادة، تحمل بعض الإعجاب لهذا الشاب، فلم يخطر ببالها أبداً في هذا اللقاء الأول الذي هيئته
الأقدار بالمصادفة بينهما أنّ هذا الشاب القروي سيصبح عمّا قريب المحور الأساسي لحياتها، بل
ربما سبباً في مأساتها.
توالت الأيام والشهور وتتابعت اللقاءات بينهما تترى بتتابع المحاضرات، فتعرف كل منهما الآخر
معرفة جيدة. استطاع عمار بإيمانه وصدقه وبساطته الريفية إلى جانب ثقافته الواسعة أن يكتسب
ثقتها، وأن يحوز إعجابها. وعندما علمت أنه يعمل إلى جانب دراسته؛ ليتمكن من توفير المصاريف
الجامعية زاد ذلك من احترامها وتقديرها له. أما هو فقد وجد فيها الحنان والرقّة التي يفتقدها بسبب
طبيعة الحياة القاسية التي عاشها في قريته الجبلية بين شظف العيش، وخشونة التنشئة الاجتماعية في
أسرة شديد الفقر، يحكمها الأب بصرامة مطلقة، وبمزاجية معكرة. قال لها في أحد الأيام إنه قبل أن
يلتقي بها لم يكن ليستطيع أن يبث أوجاعه وآلامه ومشاعره إلى أحد في الأرض، سوى لتلك الصخرة
السوداء الكبيرة، التي كانت تجثم عند منقطع العمران في سفح ذلك الجبل، لكن عندما جرفتها السيول
الغاضبة في إحدى ليالي الشتاء المنتحبة إلى بطن الوادي، بقي وحيداً يعاني مرارة الحياة ويتألم
بصمت. ولم يدرك معنى أن يكون إنساناً قبل أن يلتقي بها، ويستجلي أسرار قلبه في عينيها.
كل منهما كان ينتمي لبيئة اجتماعية مختلفة عن الأخرى، إلا أنّ هذا الأمر لم يمنعهما من أن يحققا
الانسجام النفسي والتفاهم العقلي، وأن يخترقا كل الحواجز والدوائر التي تخلقها اختلافات العادات
والتقاليد بين أسرة ريفية فقيرة وأسرة مدنية غنية. كل هذه المعوقات لم تكن تعني لهما شيئاً أمام حبهما
الصادق ومشاعرهما النبيلة، ماعدا تلك الدائرة التي لم يكن يجرؤ أحدهما على الحديث عنها، أو
محاولة التفكير في كيفية تخطيها. إنها الدائرة المغلقة التي يصعب الإفلات منها؛ فقد كان كل منهما
ينتمي لطائفة دينية مختلفة عن الأخرى. رغم أن كلا الطائفتين تنتميان لنفس الدين، فإن كلاً منهما
يشكل دائرة مقدسة مغلقة على ذاتها، رسمت معالمها الاجتهادات الفقهية والتفسيرية، التي لا تعدو
في حقيقتها أن تكون إفرازات لمرحلة سياسية تاريخية متحجرة، لكن من يجرؤ على أن يتخطى
حدود هذه الدائرة المقدسة فسوف يحترق بنيرانها، ويصبح زيتاً يهيج لهبها ويسعر حرها. إنها الدوائر
التي لا يمكن أن يتخطاها ويعبر حدودها إلا كل مغامر أو مقامر يستطيع أن يراهن بأغلى ما يملك في
سبيل أن ينال ما لا يملك. عرف كلٌ منهما هذه الحقيقية المرة، وحسم كل منهما أمره، فقررا أن
يخوضا هذا التحدي الخطير، وأن يسيرا في هذه الطريق الوعرة حتى النهايات غير المعروفة. تعاهدا
في محراب حبهما الطاهر، وقطعا الأيمان الغليظة على أن لا يثنيهما شيء عن أن يكملا رحلة هذه
الحياة معاً، مهما كانت الطريق طويلة وموحشة.
كرت الأيام وتوالت السنون، وأنهيا الدراسة الجامعية، واقتربت ساعة الحسم، الساعة التي يتوجب
عليهما فيها القفز في المجهول، ساعة الاختبار التي سوف يمتحن فيها قوة حبهما. قال لوالده بصوت
مرتفع مجلجل، وقلبه يرتجف، وأوصاله ترتعد: نعم أريدها زوجاً لي مهما كلف الأمر. قال له والده:
كنت أعتقد أنني أحسنت تربيتك، وأنك تعرف حدود الله جيداً، لكن الذنب ليس ذنبك، بل ذنبي؛ لأنني
سمحت لك أن تكمل دراستك في الجامعة، والنتيجة أن فتاة فاسقة تافهة استطاعت أن تسخر منك، وأن
تجعل منك ألعوبة حمقاء بين يديها، كان ينبغي أن أجعل منك حماراً يفلح الأرض، كان يمكن أن
أضمن أنك لن تعصي أمري، وتشق عصا الطاعة علي، عليك أن تعلم أنك إن تزوجت هذه الفاسقة فلن
يكون لك بيننا مكان، وعليك أن تنسى عندها نسبتك إلي. كانت إجابة والده واضحة صريحة، حاسمة
تدوي كلماتها في أسماعه كهدير الرعد. إنها الكلمات التي جعلته يشعر وكأنه خر من القمة العليا في
هذا الكون إلى الهاوية السحيقة، جميع محاولاته لثني والده عن هذه الإجابة باءت بالفشل، ولم يجن
منها سوى المزيد من الإهانات والتجريح، لم يكن والده غير قادر على فهم ما يريد فحسب، بل لم يكن
راغباً في أن يفهم أي شيء حول ما يريد. في لحظة واحدة وجد نفسه غريباً وحيداً بين أهله، تخلى
عنه الجميع: أسرته وأقاربه. بعض أصدقائه المقربون قالوا له: كنا نعدك فينا الحكيم الرشيد، الذي يفقه
موجبات مذهبنا الديني، وكنا نعتقد أنك أكثرنا إيماناً، والآن تفاجئنا بأنك ترغب في الاقتران بفتاة تنتمي
لفرقة ضالة، حرفت تعاليم الله، وعطلت أوامره الصحيحة بين ظهرانيها، وأقامت بدلاً منها شرعة
فاسدة. قال لهم: إن الله ليس حكراً لطائفة، وإن المعتقد الصحيح لا يمكن لمذهب بمفرده أن يشتمل عليه
كاملاً، وإن المذاهب والمعتقدات جميعاً تزعم المزاعم نفسها، وإن الله وحده القادر على أن يحكم بينها
يوم القيامة. "لا أحد يفعل الشر وهو يعتقد أنه شر" 1 ، ولا أحد يعتنق مذهباً يظن أنه مذهب ضال، إلا إذا
كان شخصاً غير سوي، فكل المذاهب وكل الفرق لها ما لها من الحجج والبراهين، وعليها ما عليها من
الحجج والبراهين. لقد خرجنا إلى الدنيا من بطون أمهاتنا ولم يخيرنا أحد في المذهب الذي نريد
اعتناقه، وفي الدين الذي نريد اتباعه، فما هو ذنبنا إن ولدنا وكلُ منا ينتمي لمذهب مختلف عن الآخر.
إنني أعتقد أن حكمة الله أوسع من أن تحصر في مذهب أو طائفة. قالوا له إذاً اجعلها تعتنق المذهب
الذي نؤمن به وسوف نساعدك على الزواج منها، قال لهم إن الله لم يطلب مني أن أغير اعتقاد
المؤمنين به من مذهب لآخر، بل طلب مني أن أترك لكل من يؤمن به مساحة إلى جانبي وبالتوازي
معي؛ ليحيا وليؤمن بما يعتقد، والله وحده معني بشأن الحكم بين المؤمنين. قال لهم إنه عميق الإيمان
بالله، عظيم الثقة به، وكذلك الفتاة التي أحب مؤمنة طاهرة عفيفة، ولا ضير عنده أن تنتمي لمذهب
آخر، وأنه لن يتخلى عنها مهما حدث.
كانت سعادة والدتها لا توصف عندما أخبرتها بأن هناك من يريد الحضور لمنزلهم لخطبتها، لكن ما
لبثت أن هجرت أسارير وجهها هذه السعادة، وارتسمت عليه حالة من الدهشة والصمت، عندما
استطردت إيمان كلامها بأن هذا الشاب ينتمي لأسرة ريفية فقيرة، وينتمي لطائفة مغايرة لما هم عليه.
لم تترك إيمان حيلة لكي تقنع والدتها بشخصية عمار، ولتبين لها شدة تعلقهما ببعض، ولتبرهن لها على
صدق مشاعرهما وطهارتها. وبعد تردد كبير تجرأت الأم على أن تصارح زوجها بهذا الشأن، ولم يكن
ليخطر على بال إيمان أبداً أن والدها الذي كان يدللها ويعتني بها أكثر من جميع أشقائها سوف
يكون له مثل ردة الفعل هذه، فقد عنَّفها كثيراً، وطلب منها أن تنسى أمر هذا الشاب تماماً، وقال إنه لم
يكن يتوقع أن ابنته الراشدة العاقلة تريد أن تجلب له العار والخزي بين الناس. وعندما أصر عمار
على مقابلته ليحاول جاهدًا أن يغير من قناعته، ويبين له صدقه وتمسكه بالاقتران بإيمان، قال له بلغة
فيها الوعيد والتهديد: ليس لدينا فتاة لنزوجك إياها، وإن علمت أنك حاولت الاتصال بابنتي بأي وسيلة
فسوف أرسلك خلف الشمس، لكي لا يُعلم لك من بعدها أثر في الأرض. وعندما أراد عمار أن يغادر
المنزل مغضباً من الإجابة التي سمعها من أهل إيمان اقترب منه شقيقها الأصغر، الذي كان يعمل في
أحد فروع الأمن، وأشار إلى مسدس كان يحمله تحت إبطه، ثم همس بإذنه قائلاً له: اسمع، إذا لم تفهم
كلام والدي جيداً، وتبتعد عن شقيقتي، وتختفي من حياتها، فسوف أرديك بهذا المسدس قتيلاً، وإني
أعني ما أقول.
رغم هذا الوعيد والتهديد التقيا من جديد؛ ليبث كل منهما أوجاعه وحسراته للآخر. اختارا طاولة
منفردة في ركن المقهى الجامعي ليجلسا إليها، كانا مرتبكين خائفين، تسبح في عينيهما دموع حائرة،
وتعلق في جوفهما عبرات يائسة. ثنى كل منهما رأسه، وصوب نظره في جسد الطاولة، ليحدق في
نقطة فراغية عميقة، لا يعرف لها قرار، وساد بينهما صمت طويل، قطعه عمار بقوله: وصلني اليوم
إبلاغ للالتحاق بالخدمة الإلزامية في المؤسسة العسكرية، وبحركة خاطفة أخرج ورقة التبليغ من جيبه،
ورمى بها على الطاولة. ثم هزّ رأسه بهدوء شديد، ورسم على فمه ابتسامة صفراء يصعب في تلكم
الأثناء فهم مدلولاتها ومعرفة محتوياتها. قالت إيمان بحرقة شديدة ساخرة: كان هذا تماماً ما ينقصنا
الآن؛ حتى تكتمل خيبتنا، وتحترق آخر شموعنا. بالأمس أقسم والدي أنه سوف يزوجني لأول شاب
يتقدم لخطبتي من طائفتنا، والآن عليك الالتحاق بالخدمة العسكرية لمدة عامين، ولا أدري إن كنت
سوف أستطيع الوقوف بمفردي في وجه رغبة أهلي إن تقدم لي من يخطبني خلال غيابك. أنا لا أتخيل
كيف سيكون شكل الحياة بدونك؟ هم أقسموا أن يزوجوني لغيرك، وأنا أقسم أنهم إن فعلوا فسوف أقتل
نفسي؛ لأتخلص من هذه الحياة الظالمة، ومن هذه القسوة اللا محدودة.
هدئي من روعك يا إيمان، فلن نسمح لهم بأن يباعدوا بيننا، مهما كلفنا الأمر. لقد أغلقوا جميع الأبواب
في وجهينا، ولم يبق لنا سوى أن نكسر هذا الطوق الظالم الذي فرضوه علينا، ونسير باتجاه المغامرة
الكبرى، التي سنتخطى بها حدود هذه الدوائر الوهمية، سنجعلهم يرضخون لإرادة قلبينا، ولصدق
مشاعرنا، دعينا نتزوج رغم إرادتهم، ونعيش مستقلين عنهم، نبني عشنا بعيداً عن تسلطهم، وجبروتهم.
ربما ستكون حياتنا في بداية الأمر قاسية، لكن بصدق عزيمتنا وإخلاصنا، سوف نستطيع تحقيق جميع
أحلامنا، فهل أنت مستعدة لخوض هذه المغامرة معي؟
نعم أنا موافقة على هذا الحل، رغم أنني أعرف تماماً مصير السمكة التي تغادر دائرة الماء، فإنني
سأتبعك حتى لو طلبت مني أن نسافر إلى أقصى الدنيا، المهم عندي أن نبقى معاً، سوف أبيع ما أملكه
من حلي؛ ليساعدنا في أمر المصاريف أول الأمر.
وبعد أسبوعين من هذا اللقاء استطاع عمار أن يستأجر شقة صغيرة في أحد الأحياء الشعبية الفقيرة في
العاصمة، ودفع الإيجار لمدة ستة شهور مقدماً من ثمن ما باعته إيمان من حلي، ثم بعدها بأيام قليلة
تزوجا بصورة عرفية، وليست قانونية؛ لأن الزواج القانوني يشترط موافقة ولي الزوجة. وعندما حانت
اللحظة الحاسمة، تركت إيمان قصاصة ورق لأسرتها كتبت فيها تقول: لقد سمعت نداء قلبي، وسافرت
مع من أحب.
أرخى الليل سدوله، واحتجب القمر خلف سجف من الغيوم الداكنة، وجالت الريح الباردة يملأ أزيزها
الطرقات المعتمة، في ذلك الحي الفقير الذي يقع على أطراف المدينة، وفي تلك الشقة الصغيرة رثة
الأثاث، اجتمعا معاً؛ ليقضيا ليلتهما الأولى بعيداً عن أسرتيهما. كان يمكن للمرء أن يجد في المقابر
فرحاً أكثر من تلك الشقة البائسة؛ إذ جلسا هناك وحيدين خائفين، بين جدران صمّاء، لا يسمع فيها غير
ترددات أصداء خلجات قلبيهما، وانتحاب دموع ملتهبة طفحت بها مقلتا إيمان. إنها ليلة زفاف لعروسين
بعمر الورد، لكنها ليست ككل ليالي الأعراس، فلا أزهار ولا أهازيج ولا أهل ولا أصحاب، بل خوف
وفزع من مستقبل مجهول. كانت إيمان تحلم مثل بقية الفتيات أن ترتدي في ليلة زفافها فستان
عروس أبيض مطرز بخيوط مذهبة، ووشاح موشى بألوان مزركشة، مشكول بالياسمين، وتتعطر
بأجمل الطيب، وتتزين بأفخر الحلي؛ لتزف إلى حبيبها في أجمل هيئة وأبهى صورة. لكن قسوة الحياة
وظلم البشر سرقا منها حلمها البريء، ولم يبقيا لها منه إلا ما تبقيه الأوهام من السراب.
كان شهرهما الأول معاً يغص بمرارة فراق الأهل والخوف من المستقبل، إلى أن ظهر في الأفق
بصيص أمل، عندما حصلت إيمان على عمل كمدرسة في إحدى مدارس الحي الذي يسكنان فيه، لكن
بعدها بقليل اضطر زوجها إلى أن يلتحق بالخدمة العسكرية، في مدينة تبعد عن العاصمة حوالي ثلاثة
ساعات سفراً متواصلاً بالقطار، كان ينبغي عليه أن يتغيب عن زوجته لمدة ثلاثة أسابيع من كل شهر،
يستطيع في نهايتها الحصول على إجازة لمدة يومين، ثم يلتحق بعدهما بقطعته العسكرية من جديد.
في هذه الأثناء كانت عائلة إيمان تعيش ظروفاً مريرة، وتشعر بحمل ثقيل من الخزي والعار بين
الأقارب والمعارف، وأصبح والدها وأشقاؤها يتجنبون الحضور في المناسبات العامة؛ كي يهربوا من
أسئلة اللائمين ونظرات الشامتين. شعر والدها بأن ابنته بفعلتها قد خدشت كرامته، وعرضته للتعنيف
الصارم من أبناء طائفته، مما اضطره للإعلان مراراً أنه قد تبرأ منها، ومن جريمتها النكراء، وأنها لم
تعد ابنته، وأكد أنه لا يريد أن يرى وجهها مرة أخرى، ولا أن يسمع عنها أي شيء، وأقسم أنه إن
رآها سيقتلها شر قتلة. في حين أصبحت أمها مقرورة الحال على فراقها حاضرة الدمعة على مصيرها
المجهول.
كان عمار في الأسابيع التي يمضيها في الخدمة العسكرية بعيداً عن زوجته يتصل بها كلما
سنحت له الفرصة؛ ليطمئن عليها. في كل مرة كان يقول لها: إنه يشتاق لها كثيراً، وإنه يعد الأيام
والساعات والثواني المتبقية لموعد الإجازة؛ لكي يتمكن من رؤيتها. كانت إيمان تضحك عندما تسمعه
يقول ذلك، إلا في هذه المرة، عندما اتصل عليها في مساء يوم الجمعة، وقال لها: إنه يحبها ويشتاق لها
كثيراً، صمتت لبرهة، ثم أجهشت بالبكاء، وعندما سألها عن سبب بكائها قالت له: إنها أيضاً تحبه
وتشتاق لرؤيته كثيراً.
بعدها بأيام في صبيحة يوم الثلاثاء وصلت برقية مستعجلة إلى الكتيبة التي يؤدي بها عمار
خدمته العسكرية، تؤكد على ضرورة حضوره الفوري إلى مركز التحقيق الجنائي في العاصمة لأمر
مهم. عندما وصله الأمر قبض صدره، وتذكر بكاء زوجته فأصابه القلق، وسرى في أوصاله خوف
شديد، وتدافعت الهواجس على تفكيره.
بعد ساعات من السفر المتواصل كان عمار يقف في غرفة أحد ضباط التحقيق الجنائي في العاصمة،
الذي لم يترك له فرصة الاستفسار عن سبب هذا الاستدعاء الفوري، بل عاجله بالسؤال إن كان قد
استأجر شقة في أحد الأحياء الشعبية المحيطة بالعاصمة، وذكر له عنوان شقته، فأجابه عمار بتأكيد
هذه المعلومة، وقال له: إنه استأجرها بصورة قانونية، ودفع أجرتها مقدماً لمالكها ستة شهور، وأنه
يملك عقد الإيجار، لكنه لا يحمله معه الآن؛ لحضوره الفوري من كتيبته، فإذا بالضابط يسأل عمار من
جديد عن علاقته بالمرأة التي تسكن معه في الشقة، فأجابه عمار: إنها زوجتي. فطلب الضابط منه
الإثبات، فأبرز له عمار وثيقة عقد الزواج، فقد كان يحمل نسخة منه في محفظته. قال له الضابط: إن
هذا عقد زواج عرفي، لماذا لم تسجل زواجك في المحكمة؟! فأخبره عمار قصته بإيجاز، ثم طلب
معرفة سبب هذا الاستدعاء الفوري وسبب هذه الأسئلة. صمت المحقق لبرهة من الزمن، ثم نظر إليه
بتفرس شديد، فلاحظ عليه علامات الإنهاك والإعياء، فطلب منه أن يجلس على الكرسي الموضوع
أمام طاولته، ففعل عمار ذلك، وانتظر الإجابة بفارغ الصبر. قال له المحقق بترو شديد: مساء يوم
الأحد حدث حريق في شقتك. لم يتمالك عمار نفسه، ولم يستطع الانتظار حتى يكمل المحقق كلامه،
فقاطعه بقوله: إيمان .. زوجتي، هل حدث لها مكروه؟ أرجوك أخبرني، هل هي بخير؟
انتصب المحقق واقفاً، واقترب منه، ووضع يده على كتفه، وقال له: يؤسفني أن أخبرك بهذا، لكن
زوجتك .. قضت نحبها في هذا الحريق. سقطت كلمات المحقق على أذني عمار كما لو أنها صاعقة
مدوية، وترددت تلك الكلمات في أصداغه تباعاً، زوجتك قضت نحبها في هذا الحريق .. في لحظة
واحدة شعر أنه غير قادر على الوقوف أو الكلام أو التفكير. جميع قواه خارت، وجميع مداركه
شردت، فانهار كلياً، ولم يعد يدري أي شيء عن حالته.
لم يسمح لعمار فيما بعد برؤية إيمان؛ لأنها تحولت إلى جثة متفحمة هامدة، ولأن ما بقي من جثمانها
كان يخضع للفحص في المعمل الجنائي، الذي أظهرت نتائجه فيما بعد أن الوفاة لم تحدث بسبب
الحريق، بل بسبب طعنات بأداة حادة. والأعجب من هذا أنه اُتهم بقتل زوجته، فأقر هذه التهمة على
نفسه، ولم ينكرها أبداً، إلا أن التقرير الصادر من قطعته العسكرية أثبت تواجده في كتيبته وقت وقوع
الجريمة. وبعدها بأسابيع قليلة كشف مجرى التحقيق عن تورط شقيق إيمان الأصغر في جريمة قتلها.
وبعد التحقيق معه اعترف بكل شيء، قال: إنه بحث عنها طويلاً، حتى وصل إلى عنوان شقتها، في
ذلك المساء المكفهر وجدها وحيدةً، فطعنها بالسكين عدة مرات، ثم أضرم النار في الشقة. وعندما سئل
عن مبرراته لهذه الجريمة، قال: إنه يريد أن يغسل العار الذي ألحقته أخته بعائلته وطائفته. وبعد
استكمال عمليات التحقيق، نشرت إحدى الصحف الرسمية في البلد مقالاً عن الجريمة، تحت عنوان:
إيمان قتلتها يد الهمجية. لكن الغريب أن عمار حتى هذه اللحظة بقي يؤكد للجميع أنه هو من قتلها.
صعدت روح إيمان إلى السماء، تشتكي إلى الله ظلم البشر، وعاد عمار من جديد يجلس وحيداً عند
سفح ذلك الجبل؛ ليتساءل بمرارة شديدة: ما الذي فعلته تلك الصخرة السوداء حتى تجرفها السيول
الحاقدة إلى غياهب الوادي؟! وما الذي فعلته إيمان حتى تحرقها الأيدي الآثمة قرباناً لآلهة الدوائر
المزيفة؟ كيف له الآن أن يحيا بعد أن أطفأوا نور عينيها، وأخرسوا صوت ضحكاتها؟! ومن سيصغي
بعد الآن إلى أنين أوجاع قلبه الكسير؟!
النهاية
1 قول مشهور للفيلسوف الألماني كانط


avatar
سر وجودي توأم روحي
الــمــديــر الــعــام
الــمــديــر الــعــام

ذكر
عدد المساهمات : 3952
تاريخ التسجيل : 16/07/2011
العمر : 30
الموقع : taw2mrw7i.yoo7.com

http://taw2mrw7i.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى